الشخص الذي سُرق وجهه
كان مجرد صباحٍ آخر من صباحات يوم الجمعة. استيقظت وبدأت روتيني المعتاد؛ أفرش أسناني، أغسل وجهي، أبدأ بترتيب شعري، ألبس ثيابًا مختلفة، ثم أفتح ستائري وأترك الضوء يدخل غرفتي. لكن هذه المرة، كانت السماء مختلفة بشكلٍ ما. لم أستطع أن أحدد ما الذي تغيّر، لكني أيقنت أنه ليس مجرد صباحٍ آخر، بل شيء مختلف. تعوذت من إبليس من هذه الفكرة، وقررت أن أكمل روتيني.
كنت معتادة، من كثرة تكراره، أن أترك اللاوعي يقوم بالأمور، لكن هذه المرة بدأت أركز. أخرجت المقلاة بحذر، غسلتها ووضعتها على الفرن بحذر أيضًا، فقست البيض بحذر، قد تكون صوصًا! لا أحد يدري. وفي حين ما كنت أصب كامل تركيزي على ما أفعل، دخلت أمي. لم تلحظني، وهذا شيء غريب، لكني قررت ألّا أُبعد تركيزي عن هذه البيضة!
خرجت أمي من المطبخ، فإذا بي أسمعها ترحب بي. غريب، لما انتظرت حتى تخرج؟ لكني طردت هذا التساؤل وقلت بصوتٍ عالٍ:
“دقائق يمّه وأجيك”.
لم يصلني ردها.
أكملت ما أفعله بتركيزٍ أعلى. شعرت وكأن كل الغرابة تكمن هنا، في هذه المقلاة. وضعت البيضة في صحنٍ أبيض وذهبت للغرفة المعيشة حيث أمي.
وقفت لحظات مدهوشة. كانت أنا هناك، لكني أنا هنا!
نظرت مطولًا بي وأنا هناك. كم تمنيت أن أرى كيف أبدو بنظر الآخرين، شعور ممتع! كان فعلًا لي ابتسامة مبهرة كما يقول الناس. أخذت أتأملني وقتًا طويلًا، حتى صُعقت مجددًا؛ كيف أنا هناك؟ ولِمَ لا أحد يلحظني؟
تركت الصينية على الطاولة وذهبت مسرعة لأرى المرآة. لا أعلم لِمَ، لكني شعرت أن كل الأجوبة هناك. نظرت إلى وجهي، وكنت أنا، لكن هناك شيء مختلف. لم يعد هناك حياة في وجهي. كبرت ملامحي، واشتعل رأسي شيبًا. أملك ذات العيون، لكن كلما أمعنت النظر وجدت الجمود يبحلق بي. تعابيري تلاشت تمامًا. حاولت أن أبتسم لأرى تلك الابتسامة التي أسرتني منذ لحظات، لكن شفاهي لم تتحرك ولو قليلًا.
لم أعر المرآة اهتمامًا بداية الصباح، لأن وجهي بالطبع سيكون كما كان البارحة، لكن ليس في حالتي هذه. شيء قد ألمّ بي في نومي، أو ربما أحدٌ سرق بهجتي؟
“لا أدري، وكل ما أدريه أني لا أدري”.
بيتي المفضل في أغنيتي المفضلة. في الحقيقة لا أعلم لِمَ طَرَأت في بالي الآن، يبدو أن عقلي يريد تهدئتي، لذا قررت أن أطيعه وأشغل بعض الموسيقى. ورغم أن الصوت كان عاليًا بعض الشيء، لكن لا “أنا” ولا أمي انتبهتا لي.
لذا ذهبت وجلست بينهما، وأخذت آكل فطوري. كانتا تتحدثان عن مواضيع عميقة؛ الحياة وتقلباتها. يا للسخرية.
نظرت إليّ، ووجدتني حينما أتحدث أحيانًا تميل شفاهي لليمين بطريقة لا إرادية. يبدو أني يجب أن أعمل على تحسين هذا، لكنها جذابة بشكلٍ ما.
شيء بي تغيّر وأنا أراقبني. كنت قوية وضعيفة في آنٍ واحد. استشعرت أن أفكاري حول القوة والضعف، التي تبنيتها من عُقدي، قد تغيرت. شعرت وأنا أنظر إليّ أني نسيت تمامًا تلك العقد والأحزان، لكن يبدو لي أنه تخطٍّ لا نسيان. شيء بديع حينما أفكر به.
لكني كنت أراني ضعيفة، لأن خوفي غيّر طرقه، مبتعدًا كل البعد عن الماضي البعيد. وكأني تخلصت من كل خوفي ذاك ليحل مكانه خوفٌ قريب، لكن رغم هذا كان خوفي أنثويًا، أحببته.
ويبدو أيضًا أن ضعفي تشكل في مد يدي طلبًا للمساعدة دون رجفة، كما يبدو، لكن بالغالب أن تفكيري هذا أيضًا تغيّر، لذا أستطيع أن أقول إن ما كان أمامي يزيد رصيد قوتي.
على العموم، استمتعت رغم جزعي بكوني غير مرئية، وتصرفاتي غير محسوبة، ورؤيتي لنفسي وتقييمي لها، لذا أخذت القرار بأني سوف أدع بعض الوقت يمضي قبل أن أجد حلًا لهذه المشكلة.
أشغلت الموسيقى بصوتٍ عالٍ وبدأت أرقص بجنون، بحرية. صرخت بأعلى صوتي، ورميت في وجه الجميع كل ما لم أستطع قوله سابقًا. فعلت كل ما تمنيت فعله لكنه لا يبدو صحيحًا؛ ينقصه الوجود. بدت وكأنها فقدت أصالتها، ورغم جمال الحرية المطلقة التي تمتعت بها، لكنها ليست كافية، لذا قررت العودة لي.
بدأ البخار يخرج من جسدي بشكل غريب. وقفت أنظر ليدي تتلاشى شيئًا فشيئًا. كان شعورًا مريحًا، لكن الرعب بدأ يتملكني. شعرت أني بدأت أفهم ما يجري، لكن بقيت تساؤلات عالقة في رأسي أتمنى الحصول على إجابة لها.
حينها توقف بقية جسدي عن التلاشي. تنفست الصعداء وعلمت أني في سباق مع الزمن، ويجب… يجب أن أفوز.
بقيت أتبعني من غرفة لغرفة وأنادي:
“يا سارقة الوجوه!”
لكن لا إجابة.
“يا أنا!”
ولا إجابة.
ناديت باسمي بأعلى صوتي، ولا إجابة.
خارت قواي وبدأت أنتحب كمن لا يسعه فعل أكثر.
“لا أعلم ما حدث يا أنا، كل ما أعلمه أن الفترة الأخيرة تكالبت عليّ الأحداث الشنيعة، وبدأ صحني يمتلئ بالفجائع، وأُجبرت على أكلها فجيعةً فجيعة. أصبت بتخمة، ووددت لو أتقيأ، لكني أعلم أني يجب أن أبلعها وأودعها في سنين عمري. حينها استيقظت ولم أجدني! كنتِ أنتِ في وجهي. هل هذا نتاج ما حدث؟”
حينها بدأت أسمع صوتي، الذي لم يكن يخرج من حنجرتي:
“نعم… أنا جوابك إتجاه فجائعك.”

